الشيخ محمد رشيد رضا
627
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
في بسط اليد ، والتحقيق ان المراد ببسط اليد مدها لتعذيبهم يوم القيامة وحينئذ يقولون لهم هذا القول ولا يصح القول الآخر الا إذا صح جعل وقت الموت مبدأ يوم القيامة وهو خلاف الظاهر ، والمعنى : اليوم تلقون عذاب الذل والهوان « 1 » لا ظلما من الرحمن ، بل جزاء ظلمكم لأنفسكم بسبب ما كنتم تقولون مفترين على اللّه غير الحق ، كقول بعضكم : ما أنزل اللّه على بشر من شيء ، وزعم بعض آخر انه أوحي اليه ولم يوح اليه شيء ، وجحد طائفة منكم لما وصف اللّه تعالى به نفسه من الصفات ، واتخاذ أقوام له البنين والبنات ، واستكبار آخرين عما نصبه وما أنزله من الآيات البينات ، احتقارا من بعضهم لمن كرمه اللّه باظهارها على يده ولسانه ، وخشية بعض آخر من تعيير عشرائه وأقرانه ، وحاصل المعنى : ولو ترى أيها المخاطب بهذا ما يحل بالظالمين عند الموت ويوم البعث والجزاء مما ذكر لرأيت أمرا عظيما ، وعذابا أليما . * * * وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ هذه جملة مستأنفة بين اللّه تعالى فيها ما يقوله لهؤلاء يوم القيامة بعد بيان ما تقوله لهم ملائكة العذاب كما جزم ابن جرير ، لا معطوفة على ما قبلها من حكاية قول الملائكة كما حكاه الرازي أحد وجهين وزعم أنه أقوى ، غافلا عن قوله تعالى ( خَلَقْناكُمْ ) ولا ينافي هذا الخطاب قوله تعالى ( وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) لأن معناه انه لا يكلمهم كلام تكريم ورضاء ، أو هو كناية عن الغضب والاعراض ؛ والمعنى لقد جئتمونا متفرقين فردا بعد فرد « 2 » أو وحدانا منفردين عن الأنداد والأوثان ، والأهل والاخوان ، والأنصار والأعوان ، مجردين من الخول والخدم والاملاك والأموال ، كما خلقناكم أول مرة من بطون أمهاتكم حفاة عراة غلفا ، أكد تعالى الخبر بمجيئهم بعد وقوعه تذكيرا لهم
--> ( 1 ) الهون بالضم والهوان بالفتح الذل ومنه « أَ يُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ » والهون بالفتح اللين والرفق والدعة ومنه « الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً » فيختلف المعني باختلاف حركة الهاء ( 2 ) قيل إن فرادى جمع فرد على خلاف القياس وقيل إنه جمع فريد كاسارى جمع أسير ، والصواب انه لا يطلق جمعا لفرد كافراد وانما خص بمجيئه حالا في مثل جاؤوا فرادى فهو يشبه مثنى وثلاث في الاستعمال